بادئ ذي بدء أعترف لحملة القلم أنني لست بكاتب وأعتذر, ولكنّ رأيا صداه يتردد علي كلما اطلعت على صفحات صحفنا الوطنية هو ما دفعني لكتابة هذه السطور، لتساهم في إثراء الساحة المتخمة بالآراء المتشابهة، فهي ليست كتابة لمجرد الكتابة، فأنا ليس لدي عمود ثابت في صحيفة ألزم بملئه كل يوم بالغث والسمين ، ولكنني من حين لآخر ربما سكبت يراع القلم حينما أدرك شاردة فأنتظر لعل أحد الكتاب المتميزين يتطرق لها فأسجل على هامش السجالات الجارية ملاحظتي وغالبا ما أجد من يوفق لإيجاد الحلقة المفقودة قبل أن أضطر للنشر, لكن لكل قاعدة استثناء, والاستثناء هنا هو أنني أضطر للنشر حين لا يوجد من يعبر عني, واليوم هاهي قضية اتفاقية الصيد الموريتانية الصينية تستكتبني بعد أن مللت الانتظار, وبعد أن أقامت معارضتنا البائسة الدنيا ولم تقعدها , وبعد أن خطب فينا باقل حكومتنا العاجزة فقنّع ولم يُقنع وافتضح ولم يَفضح.
ولولا موقف منسقية شباب 25 فبراير الذي انحاز للمعارضة في موقفها الأخيرة لما كتبت, لأنني أرى عُري المعارضة أوضح من عجز الحكومة , ولكن أثارني موقف الشباب أمام البرلمان ويؤملون فيه موقفا وطنيا ويستجدون منه وطنية لا يملكها أكثر نوابه للأسف, بل لا يعرفها ولا يعي أبسط أبجدياتها إلا القليل من نوابنا المحترمين , لكن أملي في إخوتي الشباب الذين أؤمن أن الوطنية تملء جوانحهم أو لاو توجد, الذين أبصر في عينهم وأتحسس في كلماتهم مرارة الصبر الذي بدأ ينفد, والذين رأيتهم يتململون من واقع وطنهم تململ الحبلى توشك أن تلد, إن فينا نحن الشباب خيرا وبأسا لا يدركه ربما الكثير منا, لكن ذئاب السياسة يدركون أن قوة الغد هي الشباب , وموجة الاصلاح هي الشباب فكل منهم يسابق ليركبها مخافة أن تعلوه فهي غالبة لامحالة كيد الفساد وكاسرة قيد العجز, لذا سابق رئيس الجمهورية ليغطي عجزه وحكومته عن تقديم البلد أي خطوة للأمام بإنشاء حزب جديد عنوانه العريض هو الشباب, وسابق المعارضة لتغطي عورة سلبيتها بالوقوف اللامشروط مع تحركات الشباب, وكأن الشباب يحتاج دعمها , بل إن تحركات الشباب ما فت في عضدها إلا السباق السياسي لاحتوائها من الطرفين السياسيين.
لكن هذه التحيزات والانحيازيات ليست لهموم الشباب ولا لصالحه, وإنما مسارعة من المفسدين والعاجزين لركوب موجة الارادة الشبابية التي بدأت تتبلور وتشق الطريق إلى المطالبة بالعدالة والإصلاح والتنمية, ومن هذا المنطلق فإنني أنصح إخوتي قادة وناشطي شباب 25 فبراير , أن لا تغريهم خطابات ولا تعاطف الطرفين وأن يصبو جهودهم على توحيد ورص صفوف الشباب لينطلقوا في اتجاه مطالبهم المشروعة والشرعية.
ولعل آخر موقف غررت فيه المعارضة بالشباب هو قضية اتفاقية الصيد, فانصبت أقلام الشباب بلا وعي تلعن تلك الاتفاقية وتصبب عرقهم في الوقفات ضدها, وصدحت حناجرهم منادية لا لاتفاقية الصيد, وهنا أود توضيح أمور بسيطة:
أولا: المصادر والخيرات التي ترقد عليها ترابنا لا نتمتع بالسيادة المطلقة عليها, فهي وإن كانت ملكا للدولة فإن مساطير العولمة تجعل السيادة عليها بحدود تنظيم استغلالها والسعي للحصول على أكبر مردود منها ورعايتها من التلف , إلا أن للعالم حق مشاركته فيها بقدر ما يبذل الشريك فيها من ثمن وجهد, ولنا حق اختيار من يشاركنا طعامنا وليس لنا حق الاستئثار بها وترك الآخرين يموتون جوعا, وهناك تيار فقهي في الفقه الدستوري يرى أنه السيادة التي تحظى بها كل دولة ليست امتيازا مطلقا بل إنها مرهونة بسعيها للذود عن مصالح أبنائها والسهر على رفاهيتهم فحين تقصر في ذلك تتعرض للضغوط الخارجية , وبغض النظر عن صواب هذا الرأي أو خطئه , إلا أنه هو الغالب والحاكم.
ثانيا: الصيد ككثير من القطاعات المتخلفة في وطننا , كان لابد أن يتطور بعد أكثر من عقدين من الروتين , ومن لا يطور نفسه لن تطوره الصين ولا اليابان , والعالم يتطور يوميا ولن ينتظر أغبياء رجال أعمالنا حتى يطوروا أنفسهم فهؤلاء لا يحسنون إلا "الصرّ واللمّ " , أما الصينيين فسعوا لتطوير صناعاتها السمكية ورفع مداخيلها , ولعلنا نحن على هامش مائدة الصينيين نأكل من فضلات أرباحهم فتدخل أسواقنا عُلب السردين والتُوه المصنعة على أرضنا على الأقل, فقد سئمنا أن نوصف بأننا من أغلى بلدان العالم بالأسماك ثم نأكل حين نأكل أسماكا معلبة آتية من بلدان فقيرة بالسمك مقارنة معنا , فهذا الأمر مخزي ومشعر بالعجز والغلبة , ثم إن ما حل بقطاع الصيد سيحل بكثير من المجالات الحيوية في بلادنا , فكيف في بلد كبلدنا يحوي من الابل والبقر مايقارب عدد رؤوس مواطنيه , ويستيقظ فيه المواطن صباحا ولا يجد في إفطاره كأس لبن لأن نصف الليتر منه يباع بسعر خيالي , وكذلك البيض والدجاج الذي تظاهر مربوه أمام القصر الرئاسي آملين لجهلهم أن تمنع الدولة أي تربية حديثة للدجاج لتقصر تربية الدجاج عليهم هم البدو المغفلين , إن عقارب الساعة تسير والوقت لا يرحم والدولة إذا لم تتقدم فهي تتأخر, فأساليب التجارة والصناعة الوطنية ومتهالكة ولا تقف أمام أي منافسة ومصيرها مصير الأرز الوطني الذي لم يصبر على مسابقة ذلك الأرز المكسر الرديء الآتي من سهول تايلاند.
ثالثا: إن ما يجب أن ندافع عنه ليس نصيب رجال أعمال موريتانيين من كعكة المحيط المنهوب, ولكن ندافع عن الوطن عن موريتانيا عن خفر سواحلها الذين لايستطيعون أن يقفوا للصين ولا حتى للسنيغال بالمرصاد, رواتب متدنية وبيئة عمل مهملة وانعدام شبه تام في أدوات المراقبة والمتابعة البحرية, فهل نتوقع من تلك المراكب المهترئة كزورق أبي بكر بن عامر أن يسهر على حماية مياهنا الإقليمية المترامية وأن يفتش أساطيل العالم الكبرى ؟ فهما يكون نوع الاتفاقية التي تربطنا بهذا البلد أو ذاك هناك أولويات لضبط أبسط مظاهر السيادة الوطنية على مياهنا , ولو علمت الصين أن لدينا أساطيل تجوب عرض المحيط وطوله يعلوها ربان يظهر الشبع على عينيه قبل أن يظهر على جسمه لخشيتنا ولا التزمت باتفاقياتها المبرمة معنا, ولكن دولة ترسوا في مياهها سفينة حربية دون أن تعلم (هذا ما حدث قبل أشهر حين رست سفينة مغربية عسكرية دون علم خفر سواحلنا النائمين أو الجائعين) حري أن لا ترى أطنانا تنهب من السمك, وحري أن لا تبرم اتفاقا هي لا تستطيع التأكد من تطبيقه متكلة على حسن نية الشركاء الدوليين الجشعين.
رابعا: يجب أن نتذكر أن قطاع الصيد في بلادنا كان مهملا حتى نهاية السبعينات حيث أصدرت قوانين لتنظيمه وتحصيصه , وتلك القوانين على علاتها تركت هامشا لرجال الأعمال الموريتانيين ليدخلوا سوق الصيد, وتمتع رجال الأعمال أولائك على قلتهم بمداخيل وأرباح خرافية , دون جهد يذكر , فجل تلك المداخيل لم تكن ناتجة عن أنشطة صيدية حقيقية , وإنما كانت ناتجة عن أعمال تشبه السمسرة, وحصة الصيد التي وكلت لأيدي رجال الاعمال الموريتانيين بدأت قليلة وتناقصت مع الايام ولم تتطور تطورا يذكر , وهذا ما نتج عنه أن السوق الوطنية ظلت فقيرة بالأسماك ومرتفعة الاسعار , و ليس ذلك عائدا لنهب اليابانيين والصينين والأوربيين في المقام الاول بل عائد لعقلية رجال الاعمال الجشعين الكسالى الذين لا ينظر أحدهم (هذا إذا نظر أو فكر!) إلى أبعد من قدميه , فهم كما عودونا لم يفكروا بالتوجه للسوق المحلية لأنها ببساطة كانت تحتاج لجهد للتسويق ولأنها كانت أقل أرباحا, بينما ظلت الاسواق الآسيوية والأوربية تفتح لهم ذراعيها, دون أن يفكر أحدهم في توجيه أرباحه الخرافية لتطوير أعماله بإنشاء مصانع وأساطيل بحرية وطنية منافسة , مما كان سيعود عليهم بالربح ويمس حياة المواطنين البؤساء ويساهم في خلق سوق تستقطب بعض الشباب المكونين العاطلين عن العمل المقدر عددهم بالآلاف , بينما كان أحدهم يملأ بطنه ويتجشأ , ولا يلتفت إلى موائد الشعب الفارغة من جميع أنواع السمك إلا الرديء الغالي, دارت الايام دورتها ولم يتطور هؤلاء الجشعون بل تطور الصينيون وطوروا أساليب نهبهم وتردينا نحن وتردت سياساتنا حتى أنجبت النظام القائم الآن.
هكذا إذا, فلم تيقظ حس الوطنية في المعارضة وجعلت من هذه الاتفاقية فضيحة القرن؟
إن المعارضة مستعدة لتركب أي موجة ضد النظام , ثم إنني مؤمن بحسن نية النظام في هذه الاتفاقية وموقن أنه ليس من خطط لها ولا فاوض لتأخذ شكلها الحالي, بل خطط لها الصينيون في لحظة فراغ سياسي ووطني في رأس دولتنا موريتانيا الحبيبة .
و النظام القائم اليوم لا يدفع الذباب عن فمه , ولا تحوي تشكيلته التي يلعب بها في أرض السياسة اليوم أي رجل يذكر, فألف من سياسييه بواحد , وما تخبطه في إدارة جميع الملفات المطروحة إلا دليل دامغ على أن الارتجالية باتت هي السمة الأبرز في لمساته السياسية , فمن يحاكم يحاكم بأمر سياسي ومن يوقف ويفتش يفتش بأوامر سياسية , ووزراءه على كبر أجسامهم وعلو شهادات البعض منهم ما هم إلا كالخشب المسندة إلا أنها تصدر أزيزا كأزيز الباب الصدئ , وما فضيحة وزير التعليم في مساءلته الأخيرة في البرلمان منا ببعيد, كأني بكل وزير يغدو إلى مكتبه بكور الطير ويبحث عن قائمة أعماله اليومية "List to do" التي تأتي من ديوان رئيس الجمهورية الذي يرأسه رئيس الجامعة الأسبق, إنه عمل رديء ويوم فارغ ذاك الذي يقضيه كل وزير في وزارته, فلو أنهم بقوا في منازلهم لارتاح الموريتانيون ولما وجد الصينيون من يوقع لهم على سرقاتهم ونهبهم اللامحدود.
فلا مسوغ إذا ولا مبرر للشباب أن يتخلوا عن رفع راية الخيار الثالث , وينحازوا في صراعات داخلية بين طرفي النظام مولاته ومعارضته فهؤلاء قوم شابت رؤوسهم في طلب السلطة وبكوا عليها بكاء قيس على ليلاه ولو أنهم انصرفوا إلى خدمة الشعب بما يملكون من قدرات وعقول لكان أجدر بهم وأحسن , ولاكن لا يفقهون حديثا. فالخطابات السياسية الجوفاء (التي تركن إليها منسقية المعارضة) والمناصحة والمناطحة(التي يتدحرج بينها تواصل) والشحن والعنصري وإثارة المشاكل (التي مرد عليها النظام البائس) لا تطعم خبزا ولا توقد نارا , والشعب أصبح بركانا يغلي , والشباب يبحث عن مستقبله بنفسه , والمنحاز لخيار الشباب يتبرأ من غيره , ولا مكان لمن يؤخر رجلا ويقدم أخرى فساعة الحسم قد حانت , والشباب يطمح للتغيير وقد يفرض نفسه كخيار ثالث لا أيديولوجي و لا قبلي ولا جهوي ولكنه خيار وطني يريد إحقاق الحق, ولا يستعين بمعارضة ولا يستند إلى مولاة لأنه أقوى أن يكون عاجزا وأقدم من أن يكون .
خائرا
السبت 11 حزيران (يونيو) 2011
المختار ولد الشيخ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق