المرأة والتعليم والشباب: ركائز التنمية السحرية
عجبي أن بلدا مثل بلدي تصل نسبة الشباب فيه إلى 72% من الساكنة، ما زال يصارع وحش الفقر، ويعشو في ليل الأمية الدامس، ويسير كالأعرج خلف ركاب الأمم، فكم كان جديرا به أن يدرك تلك القارة العجوز بمشيها الوئيد، بل ويتخطاها بما وهب من شعب فتي وإيمان قوي، لكنه غياب الوعي بقيمة هذه الطبقة لدى الساسة، فغبش الرؤية، وسوء فهم الواقع لدى الشباب أنفسهم، لا يجعل القائمين على الأمر في حل من هدر هذه الطاقة البشرية، التي لا تقل قيمة عن الوقود النووي الذي بنيت به الدول الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية، فلن تقوم لإفريقيا والعالم الثالث أجمع قائمة، ما لم يجعل من الشباب الركيزة الأساسية لأية خطة تنموية.
ولا يحزنني هنا أمرُ الشباب المتعلم، فالعالم في سباق إلى كل من أفلت منهم من قيد الجهل، فهذا يغريه بتوفير بيئة للبحث العلمي، وذاك يغريه بمنح مالية تشفع بجنسية ذات قيمة على الصعيد الدولي، وتبرز الفرانكفونية والآنكلوسكسونية مخالبهما لاقتلاع كل عقل شاب من بلده وزرعه في بلدانهم العاملة الناصبة بعد عملية تبيئة بسيطة.
ولكن ما يحزن ويحز في النفس هو عصب الحياة وطاقتها الذي نراه يتبخر كالدخان في سماء بلاد كأنها تحرقه , أعني الشباب الحيَّ اليقظَ أو الصالحَ للحياة الصالحَ لليقظة شباب لم تحبسه عتبة الأمية بل تخطاها بخطى على درب الحياة والبحث عن لقمة العيش , أكمل بعضه حتى تعليمه الجامعي , لكن ما حيلته وقد ضرب الواقع حوله سورا من الأزمات , وزرع دروبه شوكا ؟
أقول ونحن اليوم على عتبات حلم جديد , لن نهزم الجهل ما لم تضربه يد الشباب القوية، ولن نقوم من المرض مالم تعد روح الشباب الفتية، ولن تتوفر لقمة العيش الكريم مالم تسع فيها أيد شبابية نظيفة .
لا تقولوا يا مرشيحينا وقد حملتكم جهودنا حتى عقدتم ووقعتم بعرقنا عقد خدمة الأمة بلسان حالكم : سيُعلن النصر وأنتم ستنسون
فلولا الأمل الكبير فيكم لما رأيتم ابتسامة الشعب الساذجة حين يراكم، فهلا كافأتموه بخطوات يراها كبيرة وترونها ـ سيادتكم ـ بسيطة :
1 ـ أن تفتح مراكز للتكوين في اللغات والمعلوماتية والأعمال المهنية، تكون ذات مستوى، لا مراكز مسرحية قد خبرناها من قبل.
2 ـ أن يفرض على الشركات الدولية أحرى الوطنية أن تسعى لتشغيل الشباب ذوي الاختصاصات، وأن تمنح الأولوية لشبابنا قبل جلب عمالة أجنبية، والتذرع بعدم ملاءمة التكوينات التي تلقاها الشباب لسوق العمل لامعنى له، فمن حقهم أن يتلقوا تكوينات تهيئهم لشغل المناصب الحيوية في سوق العمل، فهم لم يأتوا من فضاء، ونحن هنا نتحدث عن شباب قلة، وشركات ذات مقدرات ضخمة عابرة للقارات، أتت تنهش خيرات وطنهم، ولنترك السبل الملتوية في منح التراخيص، فلو كانت في بلادنا لجنة وطنية مكلفة بدراسة ملفات الشركات الخارجية،ومنحت مايلزم من موارد مالية واستقلالية سياسية، لكانت واثقة من نفسها ولا تتحدث لغة الرشى، لكانت هي وحدها التي تستطيع فهم قدرات الشركات التشغيلية، وصياغة عقود استثمارية منصفة مع الأطراف الخارجية، ولن يستقيم هذا الأمر حتى تنشأ لجنة خاصة تتكون من خبراء قانونيين ومستشاريين فنيين تسعى لمتابعة مشروع تشغيل الشباب.
3 ـ توفير تعليم يمكن الطلاب الشباب من الاندماج في سوق العمل، وذلك بتحديث معارف الأساتذة الأكفاء، وتوفير المستلزمات المادية لهم كأفراد، وللمؤسسات التعليمية والتكوينية في بلادنا، ليعملوا في سلك التعليم الثانوي والعالي حتى نخلق طبقة قادرة على حمل عبء تعليم أجيال المستقبل ما تحتاجه أمتنا، وحتى لايسقط صرح التعليم المتهاوي في بلادنا .
4 ـ إنشاء مركز قومي للترجمة والبحث العلمي يكون القائمون عليه من أبنائنا في الخارج ممن أثبتوا جدارتهم العلمية فتبنتهم دول أخرى، ويكون وقوده زكاة أعمالهم العلمية فنحن أولى بهم منها .
5 ـ السعي إلى إعطاء قيمة للمرأة الشابة المتعلمة فالمرأة هي نصف المجتمع وهي القائمة على تربية نصفه الآخر، وذلك من خلال توفير العمل وأوقاته وبيئته الملائمة لطبيعتها الخاصة، لا أن نلزمها بالاسترجال، ونطلقها في حقل غير حقلها وبيئة لاتناسبها، وأرى أن نوجه المرأة أكثر نحو ميادينها المناسبة لها وهي الطب والتمريض والتعليم والأدب والصحافة، ولا يعني هذا أن نغلق الباب دون طموحات بعض الفتيات الموهوبات في ميادين أخرى كالهندسة والطيران، ولكن أرى أن يتم دعم الاتجاه الذي تراه الفتيات مناسبا لهن أكثر، حتى في الدول المتقدمة التي فتحت للمرأة فيها كما الرجل كل دروب الحياة، فهي تختار الميادين السالف ذكرها أكثر من غيرها، وتشغيل المرأة الذي نتحدث عنه منذ سنين هو كذبة كبرى، فحين تلزم المرأة بنفس نظام الرجل ويدفع لها مثله أو أقل منه، فنحن لانشجع المرأة على العمل، بل نستغلها، ونسخدمها.
وفي الختام، نحن في غنى عن صرف أموالنا وجهودنا، في السياسة، والإعلام الفاشل، والأدوية الفاسدة، والأغذية المزورة، فلنفتح باب التعليم واسعا على مصراعيه لدعم الأسخياء من رجالنا، ولنعد فتح باب الأوقاف التي ورثناها من ثقافتنا، ثم نسيناها فجأة، كأنما لم نعد نحن نحن، التعليم هو البوابة لدخول التنمية، وفي التعليم تكمن المعجزة، والتعليم هو العصا السحرية لإصلاح المجتمع، فخلف تردي التعليم يكمن الفساد، وخلف تردي التعليم يكمن الجهل، وخلف تردي التعليم يتستر الجوع والفقر، ومن خلف تردي التعليم يأتي العابثون بأمننا، ولا شك أننا إذا أصلحنا التعليم نكون قد أمِنا الفساد وطردنا الجهل ونسينا الجوع وضربنا الفقر في عقر داره، وأخذنا على أيدي الساعيين لتخريب بلادنا، وبالتالي سيتماسك مجتمعنا وستتضح معالم هويتنا وتزدهر أمتنا ازدهارا تستحقه، وأنا هنا لا أدعي أن الأمر سهل، ولكن أزعم أنه يستحق العناء.
وإلى ذلك الحلم الجميل نبعث أمنياتنا ورؤانا حبرا على ورق رجاء أن نراها يوما قنديلا بيد فارس على فرس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق