الأربعاء، 18 ديسمبر 2013

النظرية العالمية النامية: الجماهيروية
لايجد المتابع المحايد للمشهد السياسي في بلادنا، أي منطق يحكم تصرفات السياسيين ولا سياسات الحكومة، بل إن مايحصل في مشهدنا السياسي أشبه بصراع القردة على الزعامة منه بكونه مغالبة ديمقراطية، هي أشبه بإرهاصات لماسبق وجرى في ليبيا من إطلاق لنظرية لنظام حكم إبداعي فريد، تحت مسمى:النظرية العالمية الثالثة(نسبة للعالم الثالث)مما يجعلنا نتساءل بجدية: هل أبدع رئيسنا النظرية الدولية النامية(نسبة للدول النامية) في أنظمة الحكم؟ علما أنه من أنجب تلامذة العلامة مبدع النظرية الثالثة القذافي عفا الله عنه، ومن آخر من أخذ عنه، هذا التساؤل لايعني أننا نمنح شرف هذا الابداع لشخص الرئيس فالفئة التي تحكم موريتانيا، لاتفقه من الديمقراطية ولا الحكم الرشيد شيئا، وإن كانت تلبس زيها فنفاقا وتمويها، وأما واجهاتها من أصحاب الرأي والمشورة فلا يعدوا دورهم وحضورهم أن يكون دور الكومبارس في المشهد السياسي، بينما يدير الفاعلون الحقيقيون موريتانيا وفق هواهم ومصالحهم الضيقة. فعلى كل الفاعلين في هذه المسرحية تعلم أبجديات الحكم القائم، وفهم دور الكومبارس الذي يمثل دور الفاعل السياسي، ويرفع صوته وهو في الواقع مفعول به مجرور بأدوات السلطة المستبدة، هذه الفئة من الممثلين تفسد المشهد بخروجها عن صمت دورها المفترض، فتكشف أوجه سماجة وقبح إخراج مسرحية الحكم التي تجري في بلادنا.
ثرثرة الممثلين السياسيين في الإذاعات تثير حفيظة المواطنين وتزعجهم، فكثيرا مايخلط متحاورون من هذه الفئة على أمواج الإذاعات المحلية، خلطا ساذجا بين مفاهيم الديمقراطية وحرية التعبير والعدالة والتنمية، مما يعني أن وعي بعض السياسيين في بلادنا لايزال في حضيض المراهقة السياسية والطفولة الفكرية، فالديمقراطية تعني في أبسط تعريف لها: حكم الشعب بنفسه لأموره العامة، ولاتعني الديمقراطية كذلك التنمية ولا العدالة، بلا لايزال إيجاد أية علاقة بين التنمية والديمقراطية والعدالة أمرا صعبا، وينبغي أن نفهم التمايز بين الديمقراطية كنظام حكم وحرية التعبير كقيمة سائدة في مجتمع، فالديمقراطية لاتطابق حرية التعبير الفارغة، التي لا تعني سوى ضمان عدم مضايقة الفرد تبعا لآرائه السياسية، بل تعني أخذ آراء أو مصلحة العامة من الشعب في عين الاعتبار، أما تركهم يعبرون في فضاء الله ثم تسيير أمورهم باستبدادية وفردية، فلا علاقة له بالديمقراطية،
من هنا ينبغي أن لا نخلط بين الديمقراطية التي تتحكم الدولة في أهم آلياتهم وهي التشاور وإدارة الشأن العام والحرية التي لاتستطيع انتزاعها بسهولة من جذورها المنغرسة في عقول المواطنين الموريتانيين، فالديمقراطية التي تتوفر في موريتانيا هي ديمقراطية مشخصنة يحدد رئيس الدولة محمد ولد عبد العزيز مواعيد انتخاباتها ويملي على أغلبيته أبجديات أدوارها، كأنهم قصر سياسيا لايفقهون أين يضعون أرجلهم، ولادور يذكر للمعارضة فيها، الدولة منذ حكم العسكر على الأقل ملك لرئيسها، هي مملكة مستبدة تتزيا بزي جمهورية، يتصرف القضاء فيها بإيعاز من الرئيس، وتسعى الحكومة وأجهزتها للسير وفق هوى الحاكم، ولايجد المجتمع المدني ولا المواطن البسيط أي التفاتة من الحكومة وأجهزتها لهمومه ومشاكله، إلا أن يلتفت جلالة العزيز، ولا أدل على ذلك من خطابات المسؤولين الذي لايعطسون إلا بتوجيهات نيرة من سيادته، أما مكاتب الدراسات والكوادر والعقول المطمورة في وحل الفساد فلادور لها في جمهورية العزيز.
فكأن نظامنا القائم قد أنتج نظرية، وأنجز إنجازا عظيما حيث اكتشف نظاما للحكم لم يعرف التاريخ له مثيلا، يمكن أن نطلق عليه: الجماهيروية، والتي من أهم صفاتها:
1-   بقرارات من الرئيس يحصل كل شيء بدءا بالضرائب وإقرارها وجدولتها، إلى قرارات العفو والإدانة أمام القضاء. فقد اكتشف أخيرا أنه لا داعي لاكتتاب وزراء ولا مدراء ولا خبراء الرئيس يعرف كل شيء والأمر بسيط.
2-   الديمقراطية تعني أن لا نقتل كل من تكلم في الصحافة بما نكره.
3-   المعارضة: تعني الحرمان من المناصب ودرء المصالح وجلب المفاسد على المعارضين.
4-   لا داعي لترقية التعليم ولا الصحة في الجماهيروية، المهم هو خطة بموجبها يوزع الأرز وياي بوي على المعدمين، باسم الله نتصدق على الفقراء من أموالهم.
5-   الموالات الداعمة في جمهورويتنا هي حفنة من المنافقين نشتريها من سوق نخاسة الرأي، ليس همها مصلحة الوطن، وإنما مصلحة الحاكم وحاشيته.
6-   الانتخابات في جماهيرويتنا كرنفالات لاتقدم ولاتؤخر تقام حسب هوى الرئيس وهي كالعيد، نقول فيها لعامة الشعب أن كل شيء بخير ونغلق التلفاز بعدها.
7-   في جماهيرويتنا الرأي يقال، وهذه هي الحرية، أما أن يؤخذ في عين الاعتبار فهذا مالن تعرفه جماهيرويتنا.


حرية السحاحة شيء لم يعرفه الموريتانيون يوما، ولكن الأنظمة السياسية المتعاقبة مردت عليه.
لم يكن الشعب البدوي الصحراوي يوما يقبل تقطير حريته بسحاحة الحاكم، فقد تنسم هذا الشعب حرية الصحراء وامتزجت بعفويته منذ القدم، ومازالت حتى اليوم مكفولة بأعراف المجتمع البدوي الذي لايعرف سلطة ولايعترف بالحدود، وكون تلك الحرية تضايق أحيانا من طرف كل نظام حكم البلاد حين تستبد برئيسه سورة غضب فهذا أمر حصل ويحصل يوميا في عهد النظام القائم سدد الله خطاه، ومقاييس المراقبين الأجانب لحرية التعبير في بلادنا أمر لامحل له من الإعراب، لأنهم في بلدان عرفت استبدادا لم تعرفه بلادنا يوما، ثم إن في موريتانيا أساليب ماكرة يعاقب بها الأحرار لايعرفها الأجانب ولايفقهونها، ففي صحافتنا وصحفنا وأروقة إداراتنا هناك سيف آموكليس المسلط على رؤوس كل الأحرار في البلاد،  فكل ناطق بالحقيقة أو واصف لها يفتح على نفسه حربا مع النظام سيقعد له فيها كل مرصد، ويعرض نفسه للتجريد من منصبه أو الحرمان من حقوقه المدنية، هذه الأمور يدركها كل مواطن في ضميره ذرة من حرية، تثقل كاهله كأنها جبل، أما الأحرار فإنهم لايتعايشون إطلاقا مع أنظمة كاللتي تحكمنا منذ الاستقلال. ويبقى المواطن غير المعول على الدولة في فسحة تامة من أمره، فبإمكانه سب النظام والدعوة للانقلاب عليه جهارا نهارا والدعوة للحرب الأهلية والانفصال الطائفي أو الجهوي، والدعوة للمنكرات الأخلاقية والدينية، هذه حرية لاتتوفر في فرنسا نفسها، هذه الحرية العرجاء التي تمكن الفرد من تجاوز كل الحدود في تعبيره هي وليدة عقلية بدوية متحررة من نير السلطة ونظام الحكم جاهلة بمفاهيم الدولة والمدينة، وليست علامة صحية. هذه هي موريتانيا المصابة بسرطان الحرية.
المختار ولد الشيخ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق