تلقفت بشغف كغيري من المواطنين الغيورين
على وطنهم الصريع، وثيقة
"الميثاق" التي وصفها المؤترون في المؤتمر الأخير أنها جاءت من أجل
المطالبة بحقوق سياسية و اقتصادية و اجتماعية للحراطين ضمن موريتانيا موحدة، عادلة
ومتصالحة مع نفسها. الحراطين وما أدراك ما الحراطين : نصف المجتمع
أو يزيدون، انتشرت المعانات فيهم أفقيا، أكثر مما انتشرت في أي طبقة أو جهة، عانوا بما يكفي، لكنهم لم يكونوا وحدهم من عانى،
ولامعنى في نظري للحديث عن مشكلهم بمعزل عن مشكل المواطنين البؤساء الذين يمثلون
غالبية السكان.
وإن كنت قد لقحت ضد الخطابات
الإعلامية والدعوات الجذابة العميقة، إلا أن فكرة المؤتمر أعجبتني كثيرا، لكونها
مظهر راق وسام من التفكير الجدي التشاركي التفاعلي للبحث عن حلول لمشكل يؤرق
دولتنا المتعثرة، أو على الأقل يؤرق كل من يفكر في مستقبل أفضل لوطننا. ولكنني آسف
للسطحية البالغة في بعض أفكار الوثيقة، ولعل عذر من كتبوها أنها ربما كانت مسودة
كتبت على عجل، وليسمحوا لي أن أبين هنا ملاحظات جذرية حول محتوى هذه الوثيقة.
أولا: ينبغي لكل مواطن مخلص أن لا ينفرد بتفكيره لحل مشاكله الشخصية أو
الفئوية الضيقة، فكلما عزل الضعفاء أنفسهم وتقسموا حسب اللون أو العرق أو الجهة
كلما ضعفوا وتفرقت كلمتهم، وكلما كانت الحلول المقترحة غير قابلة للتطبيق لأنها
تهمل معالجة مشكل جذري أخطر بكثير مما تسعى لحله، فمشكلة الدولة الموريتانية اليوم
لم تعد مشكل فئة أو جهة بعينها، بل هي أزمة مجتمع ودولة، ولنأخذ مثالا: المشاريع
الساذجة التي اقترحتها الوثيقة من توزيع قطعان الماشية مثلا أو السماح بإنشاء
شركات مع تسهيلات ضريبية وغيرها، هذه الحلول وغيرها ليست إلا بابا جديدا لتعميق
الشرخ بين طبقات المجتمع وبابا واسعا من أبواب الفساد ستسغله الطبقة المخملية في
مصالحها، فما أهون أن تتخذ القطط السمينة من من مواليها واجهات سمراء لأعمالها
وتأكل الأخضر واليابس باسم التمييز الإيجابي، وما أسهل أن يسيروا مشاريع توزيع
الرؤوس الحيوانية على حراطينهم المطيعين ويتركوا كل حرطاني متعلم محترم مستقل محروما
كما كان من كل فرصة في العيش الكريم مالم يركع لهم، فنفس الشيئ يمارس ضد الشباب الخريجين
اليوم مثلا، ففرصهم التي تتاح لهم توزع بعقلية قبلية جهوية مقيتة تفرغها من معناها
وتجعلها تنحرف عن أهدافها النبيلة، إن مثل هذه الحلول لايمكن تطبيقها أصلا في دولة
فاسدة ونظام تحكمه قبلية وجهوية وأحادية عمياء كاللتي تحكمنا اليوم. في بلدنا يا
هؤلاء لايوجد مسؤول مستقل نزيه، في بلدنا العدالة في يد الحاكم والحكومة وبرامجها
وتمويلها في يد الشخص الحاكم يسيرها كأنها أمواله الشخصية.
ثانيا: لن تتقدم موريتانيا مالم يتقدم جميع مواطنيها، ولاشك أن الحراطين فئة
من هذا الشعب تستحق عن جدارة العيش الكريم، وأنا لست ضد أي تمييز إيجابي لهذه
الشريحة المحرومة أكثر من غيرها. ولكنني أطالب العقلاء ببناء تفكير منطقي تسلسلي
يجعل المطالب تتسلسل في نظام منطقي قابل للتطبيق، على الحراطين الواعين أن يدركوا
أن لهم عونا قويا وسندا قويا في فئات البظان المحرومة مثلهم والتي عانت وتعاني من
فساد الدولة كما عانوا تماما، كم من البيظان يعاني من الجهل العميق؟ كم من البيظان
يعاني من الحرمان من النظام الصحي؟ كم من البيظان لايتوفر على مايرسل به أولاده
للمدارس؟ لو كان البيظان كما يصورهم بعض السذج يعيشون في قصورالجنة لكان الحراطين على
الأقل في شوارعها، لكن الجحيم مشترك، من فئة البظان كثير من السادات الذي عملوا مع
النصارى واستخدموهم على دولتهم القائمة فينا الآن، وأكلوا الأخضر واليابس، ولكن
الحراطين أيضا من كان من أبناء أماليز وتعلم في مدارس القوم وسرق كما سرق إخوته
البيظان، القضية ليست فئوية إلى هذا الحد، قد مس الضر فئة أكثر مما مس الأخرى لكون
الانفصال الذي تم بين العبيد وسادتهم تم بقرار ساذج من الدولة لم يدرس استراتيجيا
ولم يصحبه تعويضات للمتضررين من العبودية تساعدهم على اللحاق بركب المجتمع الذي
كان يتقدمهم بأشواط عديدة.
لكن أي تعويض كهذا في دولة فاسدة لايزيد
إلا فاسدي الحراطين فسادا وفاسدي البظان ثراء، النظام القائم حين يعينجنرالا من
هذه الفئة أو تلك سيعينه على أساس أنه أتم صنعه في مدرسة تدوير الفساد، وسيكون لأي
تعيين فئوي أثر سلبي على الفئة التي ينتمي لها هؤلاء الأفراد، ماهو فضل السادة
الكبار المعينين من البظان على مجتمع البظان ؟ هل التعيين في حلقة الفساد التي
تنتج نفسها إلا فرصة للثراء الشخصي وتوقيعا على تعهد بالتمالؤ ضد مصالح الطبقة
التي ينتمي لها الفرد والعمل لمصالح الجهة التي عينته.
ثالثا: في بلد كموريتانيا، أظن أن أجدى وسيلة للتغيير هي التفكير
للاستراتيجي، والقيام بخطوات مدروسة ذات تأثير عميق على الأمد البعيد، وعدم ترك
مسألة جذرية خطيرة جدا كقضية العبودية في يد بعض الهواة كالسيد بيرام ولد الداه،
والذين يجعلون من قضية وطنية مسألة استهلاك إعلامي سمج يفرق ولايجمع يعقد ولا يحل،
يجب على عقلاء البلد خلق نادي أو رابطة حكماء ، تعنى بالتفكير في حلول آثار الرق
ومقاومة الاسترقاق تكون معنية بتقويم وتوجيه كل جهد يبذل في هذا المجال.
رابعا: لا أرى أن تجييش الحراطين ضد
إخوتهم البيظان يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح، وإني لأجد على حكماء البلاد عدم
ضربهم على يد كل عابث بوحدة المتمع التي شرخها الفساد وعبث السنين العجفاء بها، العامة
لايمثلون جزء من الحل، ليتشارك المثقفون والصناع القرار الشرفاء في صناعة رأي عام
رافض للاستعباد مستعد لتخطي آثاره المقيتة ونفيها من التقاليد الجديدة التي تصاغ
على مر السنين في حياة كل مجتمع ناشئ.
خامسا: أدعم كل الدعم المطالب المشروعة والصادقة برفع الظلم وإعادة تأسيس
الدولة، فهذا الظلم الذي يتعرض له الشباب بتعطيلهم وبتعليمهم تعليما لايوافق سوق
العمل، وتوجيههم ضمنيا للإرهاب والجريمة، ليس إلا نتيجة من بين نتائج هذه السياسات
المريضة والهلوسات السياسية التي يهذي بها قادتنا منذ الاستقلال، موريتانيا لن
تبنى مالم يستقل القضاء، موريتانيا لن تصلح مالم يصلح الاتعليم، موريتانيا لن
تتقدم مالم يتقدم نظامها الصحي الفاشل، موريتانيا لن تكون وطنا حقيقا يستحق
التضحية مالم تقم البلديات بدورها المدني تجاه المجتمع، مالم يكن للزير الحرية
الكاملة في إدارة قطاعه مع المسؤولية الكاملة عن كل أخطائه، ماتعيشه موريتانيا هو
واقع الفساد الأليم الذي يعاني من تبعاته كبار رجال الأعمال إلى أبسط طفل يسير على
حافة شارع محفوف بالرمال غير معبد.
وفي الأخير أتمنى أن يتحقق حلمنا بأن
نرى كل موريتاني ينعم بالأمن في مسكنه اللائق المتوفر على كل مقومات الحياة
الأساسية من كهرباء وماء، وبقربه نقطة صحية تسهر على رعايته صحيا ونقطة شرطة ذات
كفاءة تسهر على أمنه، ومدرسة محترمة توفر له تعليما يليق بأجيال الألفية الثالثة،
كلي أمل أن ينزاح ستار الواقع المخزي عن بلادنا.
المختار ولد الشيخ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق